ابن الجوزي
75
صيد الخاطر
شغلت جمهورهم عن الرزاق ، وأعرضت بهم عن العلم الدال عليه . فالسلطان مشغول بالأمر والنهي واللذات العارضة له ، ومياه أغراضه جارية لا سكر « 1 » لها ، ولا يتلقاه أحد بموعظة بل بالمدحة التي تقوّي هوى النفس ، وإنما ينبغي أن تقاوم الأمراض بأضدادها . كما قال عمر بن المهاجر ، قال لي عمر بن عبد العزيز : إذا رأيتني قد حدت عن الحق فخذ بثيابي وهزني ، وقل : ما لك يا عمر ؟ وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : رحم اللّه من أهدى الينا عيوبنا . فأحوج الخلق إلى النصائح والمواعظ السلطان . وأما جنوده فجمهورهم في سكر الهوى ، وزينة الدنيا ، وقد انضاف إلى ذلك الجهل ، وعدم العلم ، فلا يؤلمهم ذنب ، ولا ينزعجون من لبس حرير ، أو شرب خمر ، حتى ربما قال بعضهم : أيش يعمل الجندي ، أيلبس القطن ؟ ثم أخذهم للأشياء من غير وجهها ، فالظلم معهم كالطبع . وأرباب البوادي وأهل القرى قد غمرهم الجهل فلذلك كان تقلبهم في الأنجاس ، والتهوين لأمر الصلوات ، وربما صلت المرأة منهن قاعدة . ثم نظرت في التجار فرأيتهم قد غلب عليهم الحرص ، حتى لا يرون سوى وجوه الكسب كيف كانت ، وصار الربا في معاملاتهم فاشيا ، فلا يبالي أحدهم من أين حصلت له الدنيا ، وهم في باب الزكاة مفرطون ، ولا يستوحشون من تركها إلا من عصم اللّه . ثم نظرت في أرباب المعاش ، فوجدت الغش في معاملاتهم عاما ، والتطفيف والبخس ، وهم مع هذا مغمورون بالجهل . ورأيت عامة من له ولد يشغله ببعض هذه الأشغال طلبا للكسب قبل أن يعرف ما يجب عليه وما يتأدب به . ثم نظرت في النساء ، فرأيتهم قليلات الدين ، عظيمات الجهل ، ما عندهن من الآخرة خبر إلا من عصم اللّه . فقلت : واعجبا فمن بقي لخدمة اللّه عز وجل ومعرفته ؟ فنظرت فإذا العلماء ،
--> ( 1 ) السكر : سد المياه وهو من عامي الشام الفصيح .